الشيخ حسن المصطفوي
49
التحقيق في كلمات القرآن الكريم
الرحمة ، فيناسبها في آخر السورة الإخبار بمزيد وسعة في اسم الربّ وهو الرحمن . والربّ هو ذو جلال وعظمة في نفسه وبذاته ، وهو بهذا الاعتبار وبلحاظ رحمانيّته الواسعة : يجب لنا أن نكرمه ونذكره بالعزّ والكرامة . وأيضا إنّ الجلال من صفات الذات ، ويلاحظ في اللَّه عزّ وجلّ من حيث ذاته وفي ذاته ، فعبّر بكلمة الجلال ، ولا يحتاج إلى تعظيم وتجليل ، وهذا بخلاف الكرامة الدالة على التفوّق ، فعبّر بصيغة الإكرام . ثمّ إنّ حظَّ العبد من هذه الصفة الكريمة : أن يتنزّه عن الهوان والذلَّة المادّية والروحانيّة ، وأن يكون متفوّقا في نفسه وعزيزا في باطنه ، وهذا المعنى لا يتحصّل إلَّا بالتقرّب المعنوىّ من اللَّه عزّ وجلّ ، بتقليل العلائق والتعلَّقات المادّية ، وبالتعلَّق بالملإ الأعلى . * ( بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَه ُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِه ِ يَعْمَلُونَ ) * - 21 / 27 وهذا من العلائم الممتازة للمكرمين ، حيث إنّهم صاروا في مقام لم يبق لهم طلب في حياتهم غير ما أمرهم اللَّه ، وليس لهم عمل خلاف ما أمروا . * ( يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ ) * - 36 / 27 فظهر أنّ الكريم ما يكون متفوّقا في نفسه ليس له هوان وضعف ، فيقال : رزق كريم ، مقام كريم ، رسول كريم ، زوج كريم ، أجر كريم . كره مقا ( 1 ) - كره : أصل صحيح واحد يدلّ على خلاف الرضا والمحبّة . يقال كرهت الشيء أكرهه كرها . والكره الاسم . ويقال : بل الكره : المشقّة ، والكره : أن تكلَّف الشيء فتعمله كارها ، ويقال من الكره الكراهية والكراهيّة . والكريهة : الشدّة في الحرب ، ويقولون : إنّ الكره : الجمل الشديد الرأس . مصبا ( 2 ) - كره الأمر والمنظر كراهة ، فهو كريه ، مثل قبح قباحة ، فهو قبيح ،
--> ( 1 ) مقاييس اللغة ، لابن فارس ، 6 مجلدات ، طبع مصر ، 1390 ه . ( 2 ) مصباح اللغة للفيوميّ ، طبع مصر ، 1313 ه .